الإشكال
هل هوية الشخص ثابتة أم متغيرة؟
ما الذي يجعلني أنا نفسي اليوم وغداً، رغم أن جسدي وأفكاري وأذواقي تتغير؟
يتغير الإنسان باستمرار: يكبر جسده، وتتبدل أفكاره ومشاعره واهتماماته. ومع ذلك يقول كل واحد منا «أنا» ويقصد الشخص نفسه الذي كانه في طفولته. هنا تنشأ المفارقة: إذا كان كل شيء فينا يتغير، فما الذي يبقى؟ وهل هناك نواة ثابتة تحفظ الهوية، أم أن الهوية نفسها تتشكل وتتحول؟
المفاهيم الأساسية
- الهويةIdentité
- ما يجعل الشيء مطابقاً لذاته ويبقى هو هو رغم ما يطرأ عليه من تغيرات.
- الشخصPersonne
- الكائن الإنساني بوصفه ذاتاً واعية وعاقلة، قادرة على التمييز والاختيار وتحمل مسؤولية أفعالها.
- الجوهرSubstance
- ما يقوم بذاته ويبقى ثابتاً تحت الأحوال والأعراض المتغيرة.
- الشعور (الوعي)Conscience
- إدراك الذات لأفكارها وأفعالها وأحوالها في اللحظة التي تعيشها.
- الذاكرةMémoire
- قدرة الذات على استحضار ماضيها وربطه بحاضرها.
- إرادة الحياةVouloir-vivre
- عند شوبنهاور: قوة عميقة ورغبة في البقاء والاستمرار، يرى فيها جوهر الكائن ونواته الثابتة.
المواقف الفلسفية
هوية قائمة على نواة ثابتة
ديكارت: الفكر أساس الهوية
رينيه ديكارت René Descartes
- الأطروحة
- هوية الشخص قائمة على الفكر: الأنا جوهر مفكر، والتفكير هو الخاصية التي لا تنفصل عن الذات.
- الشرح
- يشك ديكارت في كل ما يمكن الشك فيه، حتى في الحواس والجسد، لكنه يكتشف أن الشك نفسه تفكير، وأن التفكير يقتضي ذاتاً تفكر: «أنا أفكر، إذن أنا موجود». الذات عنده «شيء مفكر»، وكل الأنشطة الذهنية — الشك والفهم والإثبات والنفي والإرادة والتخيل والإحساس — تصدر عن الذات الواحدة نفسها.
- الحجة
- حجة الكوجيتو: لا يمكنني أن أشك في أنني أشك؛ والشك فكر؛ إذن الفكر يقين أول ثابت، وعليه تقوم هويتي.
- مثال توضيحي
- قد يتغير شكل سليم وأحواله، لكنه في كل مرحلة يفكر ويشك ويحكم: الذات التي تفكر هي نفسها في الطفولة والكهولة.
- اعتراض أو موقف مقابل
- يعترض عليه لوك بأن الفكر في لحظته لا يكفي لربطي بماضيي؛ لا بد من الشعور الممتد بواسطة الذاكرة. ويعترض عليه من ينقد فكرة الأنا الثابت بأن الحياة النفسية متغيرة باستمرار.
هوية قائمة على استمرارية الشعور والذاكرة
لوك: الشعور والذاكرة أساس الهوية
جون لوك John Locke
- الأطروحة
- الهوية الشخصية تقوم على الشعور المصاحب للفكر، وتمتد عبر الزمن بقدر ما يمتد هذا الشعور بواسطة الذاكرة إلى الأفعال والأفكار الماضية.
- الشرح
- الشخص عند لوك كائن عاقل مفكر يستطيع أن يعتبر ذاته هي هي في أزمنة وأمكنة مختلفة، وذلك بفضل الشعور الذي لا ينفصل عن التفكير. وما دام الشعور يستطيع أن يستحضر فعلاً ماضياً بواسطة الذاكرة، فإن هذا الفعل ينتمي إلى الشخص نفسه. هكذا ترتبط الهوية الشخصية أيضاً بالمسؤولية عن الأفعال.
- الحجة
- حجة الاستمرارية: أنا الشخص نفسه الذي فعل ذلك أمس لأنني أشعر به وأتذكره بوصفه فعلي.
- مثال توضيحي
- يتذكر سليم في الأربعين وعداً قطعه وهو طفل، ويشعر أنه هو من قطعه وأنه مسؤول عنه: شعوره يمتد إلى ذلك الماضي.
- اعتراض أو موقف مقابل
- يعترض شوبنهاور بأن الذاكرة تضعف وتخطئ وتتلاشى بالشيخوخة أو المرض، فلا يمكن أن تكون أساساً ثابتاً للهوية. ويطرح النسيان سؤالاً: هل أكف عن أن أكون أنا ما نسيته؟
هوية قائمة على نواة ثابتة
شوبنهاور: الإرادة نواة الشخص الثابتة
أرثور شوبنهاور Arthur Schopenhauer
- الأطروحة
- هوية الشخص لا تقوم على الوعي ولا على الذاكرة، بل على الإرادة — إرادة الحياة — التي تبقى هي هي رغم تغير الجسد وضعف الذاكرة.
- الشرح
- ينبه شوبنهاور إلى أن الجسد يتغير، وأن الذاكرة تضعف مع التقدم في السن أو بسبب المرض، ومع ذلك نشعر أننا الشخص نفسه. ما يبقى ثابتاً في نظره هو الإرادة: رغبة عميقة في الحياة والاستمرار، يجعلها نواة الكائن، بينما العقل والمعرفة وظيفة ثانوية في خدمتها.
- الحجة
- حجة الاستبعاد: الجسد يتغير، والذاكرة تضعف، والوعي يتبدل؛ والشخص مع ذلك يبقى هو هو؛ إذن الثابت شيء آخر هو الإرادة.
- مثال توضيحي
- في السبعين نسي سليم أسماء وأحداثاً كثيرة، لكن تعلقه العنيد بالحياة ورغبته في الاستمرار لم يتغيرا.
- اعتراض أو موقف مقابل
- يمكن الاعتراض بأن إرادة عمياء لا واعية لا تفسر وعي الشخص بأفعاله ولا مسؤوليته عنها، وهو ما يركز عليه لوك.
هوية متغيرة
لاشوليي: نقد الأنا الثابت والموحد
إميل لاشوليي Jules Lachelier
- الأطروحة
- الأنا ليس جوهراً ثابتاً وموحداً معطى سلفاً؛ الحياة النفسية في تغير مستمر، ولذلك فالهوية النفسية للشخص متغيرة.
- الشرح
- ينقد هذا الموقف فكرة أنا جامد يبقى وراء الأحوال دون أن يتأثر بها. فالحالات النفسية تتعاقب وتتحول، والشخص يتشكل عبرها؛ لذلك لا يمكن تصور الهوية النفسية كشيء ثابت نهائياً.
- الحجة
- حجة التحول: ما نسميه «أنا» نعرفه من خلال حالاتنا النفسية، وهذه الحالات متغيرة باستمرار؛ إذن لا نملك أنا ثابتاً موحداً منفصلاً عنها.
- مثال توضيحي
- لسليم في كل مرحلة أذواق وقناعات ومشاعر مختلفة، بل متعارضة أحياناً؛ لا يجد فيه «أنا» واحداً جامداً.
- اعتراض أو موقف مقابل
- يرد عليه ديكارت وشوبنهاور بأن التغير يمس الأحوال، ولا بد من شيء يبقى ليقال إن «هو» من تغير.
الأمثلة صياغات تعليمية من إعداد اللعبة لتوضيح المواقف، وليست اقتباسات من نصوص الفلاسفة.
جدول المقارنة
| الموقف | أساس الهوية | ثابتة أم متغيرة؟ | الحجة | أهم اعتراض |
|---|---|---|---|---|
| ديكارت | الفكر (الأنا جوهر مفكر) | ثابتة | الكوجيتو: الشك تفكير | الفكر اللحظي لا يربطني بماضيّ |
| لوك | الشعور الممتد بالذاكرة | مستمرة ما دام الشعور ممتداً | أنا من يتذكر أفعاله ويشعر بها | الذاكرة تضعف وتخطئ |
| شوبنهاور | إرادة الحياة | ثابتة | الجسد والذاكرة يتغيران والشخص يبقى | الإرادة العمياء لا تفسر المسؤولية |
| لاشوليي | الحياة النفسية المتحولة | متغيرة | الحالات النفسية تتعاقب وتتبدل | لا بد من شيء يبقى ليقال «هو» تغير |
أخطاء شائعة
ديكارت ينكر وجود الجسد.
ديكارت يشك في الجسد شكاً منهجياً، لكن اليقين الأول عنده هو الفكر؛ ولهذا يجعل الفكر أساس الهوية.
لوك يجعل الجسد أساس الهوية الشخصية.
لوك يربط الهوية الشخصية بالشعور الذي يمتد إلى الماضي بواسطة الذاكرة، لا بالجسد.
شوبنهاور يؤسس الهوية على الذاكرة.
شوبنهاور ينتقد الذاكرة لأنها تضعف وتتلاشى، ويجعل الإرادة هي النواة الثابتة.
القول بهوية ثابتة يعني أن الإنسان لا يتغير إطلاقاً.
من يقول بالثبات يميز بين نواة تبقى (فكر أو إرادة) وأحوال وأعراض تتغير.
الاستمرارية والثبات شيء واحد.
الثبات بقاء جوهر لا يتغير؛ أما الاستمرارية عند لوك فهي ربط الحاضر بالماضي بواسطة الشعور والذاكرة، وقد تنقطع بالنسيان.
تركيب
لا تقدم الفلسفة جواباً واحداً عن هوية الشخص. فديكارت وشوبنهاور يبحثان عن نواة ثابتة — الفكر أو الإرادة — تحفظ الهوية رغم التغير، ولوك يؤسسها على استمرارية الشعور عبر الذاكرة، ولاشوليي ينقد فكرة الأنا الثابت الموحد ويؤكد تغير الهوية النفسية. ويمكن القول إن الهوية الشخصية علاقة بين ما يستمر وما يتحول: ليست جموداً مطلقاً ولا تبدلاً بلا رابط.
بطاقة المراجعة — الشخص والهوية
- الإشكال: هل هوية الشخص ثابتة أم متغيرة؟
- ديكارت: الأنا جوهر مفكر؛ الفكر أساس الهوية (الكوجيتو).
- لوك: الشعور المقترن بالتفكير، الممتد بالذاكرة نحو الماضي، أساس الهوية والمسؤولية.
- شوبنهاور: الذاكرة تضعف، والإرادة (إرادة الحياة) هي النواة الثابتة.
- لاشوليي: نقد الأنا الثابت الموحد؛ الهوية النفسية متغيرة.
- تركيب: الهوية جدل بين الثبات والتغير.